لويس شيخون وآخرين
19
مقالات فلسفية لمشاهير فلاسفة العرب ( المسلمين والنصارى )
الناس لا يمكنه ان يستعمل في كلّ وقت مع كلّ أحد كل ضرب من ضروب السياسات ونقدم لذلك مقدّمات . منها ان نقول « 1 » : مقدّمات انّ كل واحد من الناس متى ما رجع إلى نفسه وتأمل أحوالها وأحوال غيره من أبناء الناس وجد نفسه في رتبة يشركه فيها طائفة منهم ووجد فوق رتبته طائفة منهم أعلى منزلة منه بجهة أو جهات ووجد دونها طائفة هم أوضع منه بجهة أو جهات . لان الملك الأعظم وان وجد نفسه في محلّ لا يرى لاحد من ( r 45 ) الناس في زمانه منزلة أعلى من منزلته . فإنه متى تأمل حاله نعمّا وجد فيهم من يفضل عليه بنوع من الفضيلة إذ ليس في اجزاء العالم ما هو كامل من جميع الجهات . وكذلك الوضيع الخامل الذكر يجد من هو دونه بنوع من الضّعة فقد صحّ ما وصفناه . وينتفع المرء باستعمال السياسات مع هؤلاء الطبقات الثلاث . اما مع الارفعين فلينال مرتبتهم وامّا مع الاكفاء فليفضل عليهم . وامّا مع الاوضعين فلئلا ينحطّ إلى رتبتهم ونقول أيضا انّ انفع الأمور التي يسلكها المرء في استجلاب علم السياسة وغيره من العلوم ان يتأمل أحوال الناس واعمالهم ومتصرّفاتهم ما شهدها وما غاب عنها ممّا سمعه « 2 » وتناهى اليه منها وان يمعن النظر فيها ويميّز بين محاسنها ومساوئها وبين النافع والضارّ لهم منها ثمّ ليجتهد في التمسّك بمحاسنها لينال من منافعها مثل ما نالوا وفي التحرّز والاجتناب من مساوئها ليأمن من مضارّها ويسلم من غوائلها مثل ما سلموا ونقول أيضا انّ لكل شخص من اشخاص الناس قوّتين إحداهما ناطقة « 3 » والأخرى بهيميّة ولكل واحدة منهما [ إرادة واختيار وهو كالواقف فيما بينهما . ولكل واحدة منهما « 4 » ] نزاع غالب . فنزاع القوّة البهيميّة نحو مصادفة اللذات العاجلة الشهوانيّة
--> ( 1 ) هذه الفاتحة ليست في النسخة الواتيكانية . وانما حاء فيها فقط ما نصّه : « كلام أبي نصر الفارابي في وصايا يعمّ نفعها جميع من استعملها من طبقات الناس قال . . . » ( 2 ) وفي النسخة الواتيكانية : « ما يشاهد وما غاب ممّا سمعه » ( 3 ) وفي نسخة الواتيكان : « عاقلة » ( 4 ) قد اسقط الناسخ ما وضعناه بين معقّفين فنقلناه عن النسخة الواتيكانيّة